
تابعوا الاخبار اول باول من قلب الحدث من على شبكة رصد الأخبارية من على الفيس بوك اضغط هنا
صحيح أن الله قد خص أمة من الناس بقضاء مصالح إخوانهم، ولكن دون أن يخضع الطالب للقاضي، ودون أن يتعالى القاضي على الطالب، إذ الخضوع والانكسار لا يجوز إلا أمام عظيم قدرة الله وسلطانه، وكذا فالكبرياء رداء الله ولا يجوز لمخلوق أن ينازع الخالق في أحد صفاته، فإذا حجب الحكيم العلام قضاء مطلب لعبد لدى عبد آخر فإنما حجبه حماية لدينهما، وحفظاً لكرامة وماء وجه من طلب، وليس لهوانه على الله كما يتصور ضعاف الإيمان الذين يولولون ويشكون الخالق للمخلوقين!!.
ويقيني أن النفوس عندما تُوطن على الكف عن كثرة السؤال لدى الخلق فإنها وقتئذ ستسمو على مدارج الدعاء والنجوى إلى الخالق سبحانه، وذاك ما وجه إليه رسول العالمين محمد "صلى الله عليه وسلم" حين قال «.. إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله.. » وسؤال الله رفعة وعزة واستغناء عما في أيدي الناس، وفوق ذلك فهو عبادة وقربى إليه، ويضاف إلى ذلك أن الله تعالى يحب العبد "الملحاح" أي الذي يكثر في الطلب ويكرره دون يأس أو قنوط من رحمته جل وعلا، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى، إما بموت عاجل أو غنى عاجل ».
وعن تجربة شخصية أقول: أنى ما قصدت باباً من أبواب "أصحاب النفوذ" حتى أنجز طلباً عجزت عنه إلا باءت محاولتي بالفشل الذريع، ليس لأن من قصدتهم قد قصروا، ولكن لأمر خفي الله به أعلم، ثم أجدني وقد نسيت الأمر واضمحل به اهتمامي وتوارت عنه لهفتي..أجدني أمام فرج إلهي من طريق لم يكن في حسباني، دون أن يكون لأحد غير الله فضل على، ودون أن تنكسر هيبتي أمام أحد غيره سبحانه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قديماً قرأت قصة لا زلت أذكر أحداثها شذراً، لكن لا زال مضمونها قابع في وجداني لروعتها وجمالها.. يُحكى أن رجلاً كانت مهنته التي يقتات منها هى جمع نويات ثمار البلح، وذات مرة وقعت عينه على نوية قد غارت في الأرض، فراح يبذل جهده بغية استخراجها، فجاء موكب أمير المنطقة ماراً من الطريق والرجل جاث على ركبتيه يحاول اقتلاع النوية من باطن الأرض، فمر الموكب دون أن يرفع الرجل هامة أو ينصب قامة، فغضب الأمير لذلك واستدعاه إلى قصره... فقال الأمير للرجل: أما علمت أن لموكب الأمير هيبته واحترامه... فقال الرجل: وما لي ومواكب الأمراء، هى مهنتي التي أترفع بها عن سؤال الملوك والأمراء... فأمر الأمير بمائة ألف من الدراهم فأُلقيت في حجر الرجل فقال: يا أمير رُد عليك دراهمك ودعني اذهب إلى حال سبيلي، فقال الأمير عظني يا رجل فقال: لا أملك إلا كلمات أرددها في صباحي وفى مسائي وفى كل حالي، ثم أنشد يقول:
أرى الدنيا لمن هى في يديه *** هماً كبيراً إذا كثُرت لديه.
تهين المكرمين لها بصغـر *** وتكرم كل من هانت عليه.
إذا استغنيت عن شيء فدعه *** وخذ ما أنت محتاج إليه.
فيا أيها القارئ العزيز: ما دامت حوائجك لا تنقضي إلا بأمر الله وحده.. فكن معه وحده، وكن له وحده، فقد قال في الحديث القدسي الجلي « عبدي اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتني فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من أي شيء ».. فيا عزيزي: لا تهتم ولا تغتم ولا تتعب، « فالله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً ».


ذكر المفسرون أن عددًا من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- كانوا فقراء لا يجدون ظهرًا يجاهدون عليه، فأتوا النبي- صلى الله عليه وسلم- ليحملهم: فقال: "لا أجد ما أحملكم عليه"، وكان ذلك في غزوة تبوك، وما أدراكم ما غزوة تبوك!!
وكان يكفي الصحابة الكرام أن يعذروا إلى الله عز وجل بذلك، ويعودوا إلى بيوتهم ولا ذنبَ عليهم، فلا المال يملكون، ولا الظهر يستطيعون.
لكن الداعية الصادق يؤلمُه خلوُّ قوافل الطائعين منه، ويحزنُه أن ينظر اللهُ عز وجل إلى أفواج المجاهدين وليس فيهم، فمَشَوا من عند النبي- صلى الله عليه وسلم- وعيونهم ملآى بالدموع، أو كما حكى القرآن عنهم ﴿تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ (التوبة: 92) يا الله!! لما خلت الجيوب من الأموال والبيوت من الطعام والمتاع، وشحَّت الظهور التي ستحملهم ورأَوا إخوانهم يسبقونهم في الدعوة والجهاد ويسابقونهم إلى الجنة هطَلت دموعُهم الساخنة على خدودهم، وليت شعري على أي شيء يبكون؟!
لكن الله عز وجل يعلم صدقَ نيتهم، وأما النبي- صلى الله عليه وسلم- فقد عذرَهم بل واعتذر لهم، فحُجتهم عند الله معلومةٌ، وأسباب غيابهم مفهومة، فما لدعاة اليوم- إلا من رحم الله منهم- تخلو منهم الساحات، ويتأخرون عن التكليفات، يُفتقدون كثيرًا، ويغيبون طويلاً، فاتتهم مئاتُ القوافل، وهم بين لاهٍ وغافل، ومعهم الأموال ويبخلون، وعندهم الأوقات ويضنُّون، ويصرخ فيهم مربُّوهم أن هلمُّوا ولا يجيبون، أفي الجنة زهدوا، أم طال الطريق عليهم فملُّوا وقعدوا؟!
ما لكم يا دعاة اليوم؟!
أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يخرجوا مرةً بعذر فبكوا، وأنتم تغيبون كل مرة بغير عذر وما حزنتم أو تألمتم!!
أصحاب محمد معذورون من الله ورسوله ولا يعذرون أنفسهم، وأنتم مقصرون عندهما وما تعتذورن!!
وتبوك الأمس كان الجيش عشرات الألوف، وما كان ينقصه غياب رجل أو رجلين أو خمسة، وتبوك اليوم ينقصها آلاف المجاهدين حتى يخرج جيشها.
وتبوك الأمس جهَّزها عثمان، وأنفق عليها الصدِّيق كل ماله، والفاروق نصف ماله، وتبوك اليوم يشبع مجاهدوها وتنتفخ بطونهم، وإخوانهم في فلسطين والعراق يتضوَّرون جوعًا!!
تبوك الأمس لم ينتظر أصحابُها نضجَ الثمار، ولم يُغرِهم حسنُ الزوجات، ولا لوعة الشوق إلى الأولاد، فخرجوا وتركوهم، أما تبوك اليوم فأصحابها عيونهم تعلَّقت بحسن الزوجة، ورقّة الولد وحلو طعم الثمرة، فجلسوا وتركوا الدين وحده إلا مِن قلة مؤمنة تدافع عنه.
دعاة اليوم..
جاء في الصحيحين أن هؤلاء الفقراء بعد ما بكَوا ومشوا جاء للنبي- صلى الله عليه وسلم- بعض المال والظهور فحملَهم عليها، وقال: "والله ما حملتكم ولكن الله حملكم".. أعرفتم لِمَ أبَى الله عز وجل إلاَّ أن يكون أمثالُهم في الجيش رغم فقرهم؛ لأن الله عز وجل اطَّلع على صدقهم فحملهم ولم يخلفهم عن ركب إخوانهم.
بينما غيرُهم يغيب عن الميدان ألف مرة ولا يشغل الأمر باله، أتدرون لماذا؟! لأن الله عز وجل علم أنهم لا يرغبون فيه فلم يرغب فيهم؛ ولذا لم يبالِ بهم حضروا أم غابوا، بعكس ما حدث لأهل تبوك عندما حزِنوا على غياب القوافل منهم، فهل تفهم ذلك قبل فوات الأوان؟!